نصر حامد أبو زيد
52
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
البشر جميعا . وفي ظل هذا التصور لا تكون « النبوة » ظاهرة فوقية مفارقة ، بل تصبح ظاهرة قابلة للفهم والاستيعاب . ويمكن أن يفهم « الانسلاخ » أو « الانخلاع » في ظل هذا التصور على أساس أنه تجربة خاصة ، أو حالة من حالات الفعالية الخلاقة . ويكون التمييز بين حالتي الوحي تمييزا بين مرحلتين لا بين حالتين . 4 - القرآن والكتاب لا نريد أن نتوقف طويلا عند ذلك الخلاف التفسيري حول كلمة « القرآن » وهل هي مصدر من « قرأ » بمعنى ردّد ، أو من « قرأ » بمعنى جمع ، وهو خلاف مبسوط في المعاجم وفي كتب علوم القرآن على السواء . والمعيار الثقافي الذي نستند إليه في التحليل لا بد أن يؤكد أنها مصدر من « قرأ » بمعنى الترديد ، ذلك أن النص تشكل من خلال ثقافة شفاهية لم يكن للتدوين فيها دور يذكر ، هذا بالإضافة إلى أن ما ورد في الآيات والسور الأولى من النص يشير إلى النص باسم « القرآن » ، ويشير إلى قراءته من جانب الملقي ( جبريل ) ومن جانب المتلقي ( محمد ) على السواء . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ « 1 » وعطف القرآن على الجمع يؤكد التغاير ، وتأتي الآية الثانية لتؤكد أن « القرآن » مصدر من « قرأ » بمعنى القراءة الذي هو الترديد والترتيل . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا « 2 » إن النص في اطلاقه هذا الاسم على نفسه ينتسب إلى الثقافة التي تشكّل من خلالها ، ولكنه في نفس الوقت يفرض تميّزه عنها باختيار هذا الاسم غير المألوف تماما من حيث صيغته وبنائه ، الأمر الذي أدى إلى مناقشات العلماء : هل هو بمعنى القراءة أم بمعنى الجمع ؟ ولقد أدرك الجاحظ أن هذه الأسماء التي أطلقها النص على نفسه وعلى أجزائه مثل السورة والآية والفاصلة هي من قبيل الأسماء التي تؤكد مخالفة النص لغيره من النصوص في الثقافة . وهذه ملاحظة هامة ، فالنص ينتسب إلى الثقافة من حيث « شفاهيته » في التلقي والأداء ، ولكنه ينفصل عنها باختيار الأسماء الدالة على أجزائه . سمى اللّه كتابه اسما مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل ، سمى
--> ( 1 ) سورة القيامة : الآيات 17 - 18 . ( 2 ) سورة المزمل : الآية 4 .